التخطي إلى المحتوى

الباذنجانة المنفجرة

في ربيع عام ألفين وأربعة نشرت بعض وسائلِ الإعلامِ الأمريكيةِ أخبارَ حادثةٍ وقعت بالعراق، فيها أن مجموعةً من جنود الاحتلال الأمريكيين انبطحوا أرضاً في سوق من أسواق الخضرة، وكادوا يطلقون النار على الناس، لأن طفلاً عراقياً رماهم بِثَمَرَةِ بَاذِنْجان. ظَنَّ الجنودُ أَنَّ البَاذِنجانةَ ستنفجر فيهم، فاتخذوا وضعاً قتالياً فضحك أهلُ السوق.

لم يكن الجنود تحت أي تهديد حقيقي، فلم يكن العراقيون توصلوا بعد إلى اختراع باذنجان منفجر تنبته الأرض ويباع على العربات، ولكنهم، أعني الجنود، كادوا يرتكبون مذبحة من خوفهم، أما أهل السوق، وهم لا سواهم المهددونَ تهديداً حقيقياً بالمذبحة، وقفوا يضحكون، وعادوا إلى شراء الخضرة.

بعد ذلك بأعوام كنت أقطع الجسر بين الأردنِّ وفلسطينَ، وقد كان جنودُ الاحتلال سيطروا على جميع المعابر إلى الأرض المحتلة منذ بداياتِ الانتفاضةِ الثانيةِ عامَ ألفين. وَجُنودُ الاحتلالِ هؤلاءِ مراهقونَ ومراهقاتٌ في الثامنةَ عَشْرَةَ مِن أعمارِهِم، يتحكمون في شعبٍ كاملٍ يروح ويغدو بين الضفة الغربية والعالمِ عبرَ الأردنّ، منهم الكبيرُ والصغيرُ والجداتُ بطرحاتهنَّ البيضِ وأثوابهنَّ المطرزةِ والرجالُ بالكوفياتِ والعُقُل، والشباب والصبايا والأطفالُ الصاخبونَ بين الكراسيِّ والنائمونُ على أكتاف ذويهم.

وأنت إذا دخلت إلى مبنى الحدود تسلمُ أوراقَكَ للجنود ثم تنتظر أن ينادوا باسمك، وهم إما أن يدعوك للتحقيقِ أو يسمحوا لك بالدخول. وفي ذلك الانتظار جَلَسَتْ أمامي جَدَّتَانِ كَبِيرَتان، بحيث أسمع حديثَهما، قالت إحداهما للأخرى: «لماذا يؤخرونك، هل أحضرت معك ما يثيرهم؟» فقالت الأخرى: «لا والله إلا تمراً من العمرة» وكنا في رمضان، فسألَتْها صَاحِبَتُها: «هل التَمر محشوٌّ باللوز أم غيرُ محشوّ؟»، فضربت المعتمرة بيدها على جبينها كمن تذكر بعد نسيان وقالت: «لا إله إلا الله، التمر محشو»، فقرعتها أختها وقد اكتشفت العلة في التأخير: «سامحك الله، الآن سيظنون باللوز شراً، وأنك أدخلت في التمر ما ليس منه، سيحسبونه رصاصاً مهرَّباً، فلا حول ولا قوة إلا بالله ليطولن انتظارك على الجسر يا أم فلان». ورغم انزعاجي لأن يوم أم فلان على الجسر سيطول ومعها يومي ويوم الآخرين الذين لن ينظر الجنودُ في أمرهم إلا بعد تحققهم من نوايا اللوز وانتماءاته السياسية، إلا أنني تبسمت لإدراكي أن إسرائيل تخاف من التمر باللوز كما تخاف الولايات المتحدة من الباذنجان،

كل غازٍ يخاف. لا يكون الغزاة غزاة إلا إذا كانوا أجانب غرباء، وأهل البلد المغزو أكثر أعداداً وأمداداً من غزاتهم على كل حال، ولا يقعون فى أسر مالكيهم إلا لسوء إدارتهم لتلك الأعداد والموارد، وكأنهم كانوا غافلين عما لسوء الإدارة هذا من العواقب. فإن وقعت واقعة الغزو أدركوا، والصياحُ في دورهم والسيوف على نحورهم، عاقبةَ الغفلةِ في أيامِ السلمِ، وعلموا أنها ترفٌ لا يملكونَه، فالغزوُ يخلق المقاومةَ خَلْقَاً كما يخلق الفعلُ رَدَّ الفِعل. والغازي أدرى بهذا من غيره، لأن حياته في خطر داهم، وهزيمته بنتُ نصرِهِ ونتيجتُه الحتمية، فجُبْنُهُ جُبن استراتيجي، وخوفه حكمة لا يتركها ولا تتركه. أما أهل البلاد، فهم الغريق فلا يخشى من البلل، وإن خشي فلن تنفعه خشيته.
أيها الناس، أنتم منصورون على غزاتكم لا محالة وغزاتكم يعلمون، يخافونكم أكثر مما تخافونهم، إنما يبقيهم ولاة لكم وطغاة فيكم، وخوف أحدكم من أخيه، لا منهم. وكيف نهزم من عسكر يخاف اللوز!