التخطي إلى المحتوى

وما أن استقل ابراهيم التاكسي وتحرك به لدقائق في تشعبات لطرق المهدمة التي يغطيها الحلف والبوص من الجانبين حتى بدأت شمس اليوم الحار تشرق على قريتهم الصغيرة ، لقد كان مرهقا من اثار السفر الطويل لكنه يأبى أن يستريح قبل لقاء الاحبة ، طلب من السائق الانتقال إلى الجبل ، وهي منطقة دفن الموتى بقريته فتعجب السائق وسأله دلوقتي يا أستاذ ، فرد في شرود ايوة ان شاء الله ، و بصوت بدا عليه التأثر ردد السائق انا لله وانا الية راجعون .

لقد ظن السائق ان الاستاذ الوقور ذو الجسد  النحيل والشعر الأبيض قد جاء للتو من القاهرة لحضور دفنة أحد أقاربه ، ولكنه عندما اقترب من مدافن العائلة لم يجد احد ، فقط شواهد القبور حاضره ، وأصوات الكلاب الضالة تنبح  فيها ، وأكوام القمامة التي تخلص منها أهل القرية ورموها إلى جانب موتاهم . دفع ابراهيم اجرة التاكسي ونزل في صمت حاملا حقيبته الصغيرة في يده ، خلع حذائة وحملة تحت ابطة ، وبدأ يسير في هدوء شديد كأنه لا يريد أن يوقظ أهل القبور ،

لقد كان يكن احتراما شديدا للموت ويراه الحقيقة الوحيدة التي عرفها البشر على الأرض ،اقترب من باب المدفن الخاص بالعائلة ، باب عتيق يكاد يكون مثبتا في الهواء ، علية قفل صدء ، يمكنك فتحة دون مفتاح ، فلا شيء يسرق في الداخل يستحق عناء وتكلفة تركيب قفل جديد ، دخل في صمت ونادي سلام عليكم اصحاب القبور انتم السابقون ونحن اللاحقون ، ظل يسير بين قبور العائلة ، هنا دفن جدة وهنا دفن عمة ، وهنا وجدته وهنا ابية ، حتى بلغ قبر جده الحاج مناع ، قام بوضع حقيبته واغراضة على دكة خشبية بجانب السور وحمل اناء وخرج  بذات الصمت الذي دخل به ، قام بملء هذا الاناء بالماء وعاد ليسقي الصبار الذي بدأ في الجفاف وكانة لم يصله الغيث لأعوام متتالية .

ثم جلس يقرأ ايات من القران الكريم ، ثم أراح ظهره على سور القبر ، ونادي جدة بصوت هادي ، ازيك يا جدي ، ورد على نفسة طبعا كويس وفي احسن حال واحسن مننا كلنا ، تعبت بعدك كتير يا جدي الدنيا شالت وحطت فيا من شرقها لغربها ، ومبقتش عارفه اعمل ايه بالظبط ، انا جيت لك النهاردة تشوفلي حل ، لم يكن ينتظر ردا من شاهد قبر جده الذي مات قبل ثلاثين عاما لكنة كان يناجي نفسه ويحاول تفريغ الهموم بداخلة .

شوفت اللي جرالي يا جد  شفت اخواتي عاوزين يعملوا فيا ايه ، شوفت بلدنا شكلها اتغير ازاي ، الراديو بتاعك لسة معاي ، بس مبقاش يشتغل دلوقتي بس هفضل شايلة ، كنت عاوز ادية لأولادي من بعدي ، بس ربنا ماردش يبقى في ولاد بعدي ، اهي كلها ايام وجاي نقعد سوا على طول ، تاخدني جنبك زي زمان ، وتحكيلي عن اللي ورا الجبل ، واللي ورا الترعة ونقعد نونس بعض ونفتكر ايام زمان ، وبينما هو جالس يناجي جدة ولا ينتظر ردا ، اذا بصوت النساء قد شق الصمت الذي يخيم على الجبل ، ليعلن عن وفاة جديدة ، و ضيف جديد ينضم لنادي القبور اليوم ، اعتدل في جلسته وقام يلملم  أغراضه وخرج وأثناء غلقه لباب القبر قال هجيلك تاني يا جد مناع بس نكون على راحتنا عشان في كلام كتير لسة عاوز احكى ليك ، وبعدين انت واحشنى جدا والله ، ثم قرأ الفاتحة وذهب ، بدأ يسير عكس اتجاه الجنازة ، الكثير من أهل القرية يعرفونه لكن الجميع قد فوجئ بوجودة في هذا الوقت الغريب في الجبل .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *