تظل دفاتر ماري كوري، التي تفيض بأبحاثها العلمية، تحمل خطراً حقيقياً عند الولوج إليها. ورغم مرور أكثر من مئة عام على كتابتها، لا تزال صفحات هذه الملاحظات مشبعة بالإشعاع، لاسيما بمادة الراديوم-226، مما يتطلب اتخاذ تدابير وقائية صارمة للحفاظ عليها. تُحفظ هذه المجلدات الأصلية في المكتبة الوطنية الفرنسية بباريس، داخل صناديق مبطنة بالرصاص، ويجب على الزوار الذين يرغبون في الاطلاع عليها توقيع إقرار بالإعفاء من المسؤولية وارتداء ملابس واقية قبل الاقتراب منها.
تعد هذه الإجراءات ليست مجرد حرص على سلامة الزوار، بل هي تجسيد مباشر للمخاطر المرتبطة بالفيزياء التي ساهمت كوري في اكتشافها. الراديوم-226 يتمتع بعمر نصف يصل إلى حوالي 1600 عام، مما يعني أن تأثيره الإشعاعي لا ينخفض إلا ببطء شديد. وعلى الرغم من مرور قرن على تلك الأوراق، إلا أن نسبة قليلة جداً من المادة المشعة قد اختفت، مما يجعل التعامل معها لا يزال محفوفاً بالمخاطر.
علاوة على ذلك، تتحلل مادة الراديوم إلى مجموعة من منتجات مشعة أخرى، بما في ذلك غاز الرادون، مما يجعل المشكلة أكثر تعقيداً، حيث يصبح التلوث مسألة مستدامة. التقديرات تشير إلى أن دفاتر كوري ستظل تشكل خطراً مرهقاً حتى عام 3500، مما يؤكد على أن الحبر والورق قد يكونان عاديين، لكن ما امتصه من مواد مشعة ليس كذلك.
عاشت كوري وزوجها بيير في زمن لم يكن فيه فهم واضح لمخاطر التعرض للأشعة. حيث قاما بعزل الراديوم والبولونيوم في عام 1898، وصاغت ماري المصطلح المعروف “النشاط الإشعاعي”. في تلك الفترة، كانت تتعامل مع المحاليل المتوهجة وتحمل أنابيب اختبار تحتوي على مواد مشعة، بل واحتفظت بعينة بجانب سريرها لاستمتاعها بتوهجها. في مختبرها، تراكم الغبار المشع على كل سطح، بما في ذلك المنضدة، ومقابض الأبواب، وحتى صفحات دفاتر الملاحظات المفتوحة.
لم تكن دفاتر كوري وحدها الملوثة، بل كان أثاثها وكتاب الطبخ وملابسها كلها تحمل آثار الإشعاع. وقد أكدت الدراسات أن مختبرها القديم لم يتم تطهيره بشكل كامل إلا عام 1991، وذلك بعد نحو ستين عاماً من وفاتها. ولهذا السبب، تُعامل المكتبة هذه المقتنيات كأشياء مشعة ذات قيمة تاريخية، مما يستدعي وضعها في صناديق مخصصة قادرة على امتصاص أشعة غاما الناتجة عن الراديوم-226.
يمثل خطر التعامل مع هذه المقتنيات حقيقة موجودة، إلا أن هذا الخطر قابل للتقيد إذا تم اتباع القواعد الملكفة. وبالتالي، فإن التوقيع على إقرار المخاطر لا يتعلق فقط بحادث خطر واحد، بل يتجسد في الحاجة إلى ضمان عدم التعامل مع قطعة أثرية مشعة كما لو كانت مجرد كتاب قديم دون أي احتياطات. توفيت ماري كوري عام 1934 جراء اضطراب دموي يرتبط بشكل وثيق بتعرضها للإشعاع على مدى سنوات.
ستستمر صفحات كوري في إصدار الإشعاع بهدوء لمدة خمسة عشر قرناً أخرى بعد أن يصبح العلم الذي تصفه معروفاً للجميع، لتظل بمثابة تذكير واضح بمدى حداثة هذه المعرفة ومدى خطورتها في زمنها. وعندما يصبح بالإمكان التعامل مع تلك الصفحات بدون حماية، ستكون كوري قد توفيت منذ ألفي عام، مما يبرز استمرار تأثيرها العلمي وكفاحها في مجال الإشعاع.
