في خطوة قد تغير مسار العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، حصلت الصين على الموافقة لإطلاق أول شريحة دماغ-حاسوب تجارية على مستوى العالم، لتفتح بذلك أبوابًا جديدة في المنافسة العالمية، حيث تتجاوز هذه المنافسة حدود علاج الأمراض العصبية نحو إعادة تعريف القدرات البشرية. تعرف هذه الشريحة الجديدة باسم “NEO”، وهي تعتبر إنجازًا ثوريًا بحجم عملة معدنية، إذ تعد أول زراعة دماغية تجتاز التجارب السريرية المطلوبة للتسويق على نطاق واسع.
تم تطوير هذه التقنية بواسطة باحثين من جامعة تسينغهوا وشركة نيوراكل تكنولوجي، وتركز النسخة الأولى من الشريحة على دعم المرضى الذين يعانون من إصابات الحبل الشوكي والشلل، من خلال تحسين التواصل بين الدماغ والجهاز العصبي. ومن المتوقع إدخالها في مرحلة الإنتاج واسع النطاق ضمن النظام الصحي في الصين، مما يتيح فرصًا عديدة للمرضى للوصول إلى معالجة مبتكرة.
بينما التطبيقات الطبية الحالية تمر بمراحل استعادة بعض الوظائف الحركية، يعتبر المطورون أن هذه التكنولوجيا تمثل بداية لرؤية مستقبلية تتعلق بالاندماج بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. وقد أشار إيلون ماسك إلى إمكانية هذه التقنية في إعادة الحركة للمصابين بالشلل أو حتى استعادة البصر للمكفوفين، وهو ما يعد إنجازًا طبيًا كبيرًا.
تسعى شركة نيورالينك أيضًا لتمكين المستخدمين من التحكم بالأجهزة الرقمية عبر التفكير فقط، مما يعكس رؤية مستقبلية جديدة للحياة اليومية. لكن هذا الاهتمام بالتكنولوجيا لا يقتصر على مجالات الطب، إذ يتوقع الخبراء أن تشهد صناعة واجهات الدماغ والحاسوب نموًا ملحوظًا خلال السنوات القادمة، حيث تم تقدير حجم السوق الحالي بنحو 490 مليون دولار مع توقعات بزيادة إلى 1.7 مليار دولار بحلول عام 2035.
ومع هذا الاهتمام، تثار أسئلة حول الخصوصية والأمان السيبراني، حيث يحذر بعض الخبراء من المخاطر المرتبطة بالبيانات الحساسة التي تجمعها هذه الشرائح. فالإشارات العصبية المرتبطة بالأفكار والذكريات قد تصبح أهدافًا للهاكرز، مما يجعل من الضروري التعامل مع هذه التقنيات بحذر. ووفقاً لديفيد تافلي، الخبير في الأمن السيبراني، فمن الضروري الانتباه لما قد يحدث في حال تعرض البيانات العصبية للاختراق.
يظهر تصميم شريحة NEO كخطوة نحو تقليل المخاطر الجراحية، حيث يتم تثبيتها بين الجمجمة والدماغ، مع ضغط ثمانية مستشعرات على الأغشاء الخارجية. وبذلك، يمكن نقل الإشارات العصبية إلى الحواسيب القريبة لتحويل موجات الدماغ إلى أوامر رقمية قابلة للتنفيذ. وخلال التجارب السريرية، كانت النتائج إيجابية بشكل ملحوظ، حيث شارك حوالي 36 مريضًا، وأظهرت التجارب إمكانية لاستعادة بعض الوظائف الحركية.
يشكل هذا التقدم تحديًا مباشرًا لشركة نيورالينك التي لا تزال تسعى للحصول على موافقات من الجهات التنظيمية الأمريكية، رغم بدء تجاربها البشرية. ويعتبر بعض الباحثين أن شريحة NEO الصينية قد تحظى بقبول أكبر نظرًا لأنها لا تتطلب اختراق القشرة الدماغية بصورة عميقة، مما قد يقلل من مضاعفات النزيف أو الالتهابات.
بينما تجري نيورالينك تجارب على تسعة مرضى، تعكس النتائج المبدئية تفاعلاً إيجابياً نحو استخدام التقنية للحصول على تحكم أكبر في الأجهزة الإلكترونية. ومع ذلك، تبقى الطريق لا تزال طويلة نحو الانتشار الواسع لهذه الشرائح، مما يكشف عن مدى المنافسة الجديدة بين الصين والولايات المتحدة، حيث لم يعد التنافس يقتصر على التكنولوجيا التقليدية، بل امتد ليشمل المناطق الأكثر حساسية وتعقيداً – العقل البشري نفسه.
المصدر: وكالات
